الشيخ محمد رشيد رضا

418

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا * * * بين اللّه لنا في الآية التي قبل هذه الآية أن جهنم هي مصير من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين ، وكلا هذين الامرين كان يكون في زمن الرسول ظاهرا جليا بمثل ما فعل طعمة من ترك صحبة النبي والمؤمنين ، وموالاة أعدائهم من المشركين ، كما يظهر ذلك في عصره وغير عصره في كل من بلغته دعوته وتبين له الهدى فيها فتركها وعادى أهلها ووالى أعداءهم ، فان مشاقة ما جاء به الرسول ( ص ) مشاقة له . ولكن وراء ذلك أنواعا من الكفر والضلال لا يصدق على كل واحد منها انه مشاقة للرسول واتباع لغير سبيل المؤمنين ، كما بينا ذلك في تفسير تلك الآية وقلنا : ان كل صنف من أصناف الضالين يوليه اللّه ما تولى ويوجهه إلى حيث توجه بكسبه واجتهاده لأن اللّه تعالى وكل امر النوع الانساني إلى نفسه ، إلا أن يختص من شاء من الناس برحمة من لدنه . وبقي علينا ان نعرف ما يجوز ان يغفره اللّه تعالى للناس من أنواع ضلالهم وخطاياهم وما لا يغفره لهم البتة فان هذا مما يحتاج اليه في هذا المقام فبينه تعالى بقوله إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وقد تقدم هذا النص بعينه في سياق آخر من هذه السورة ولم يمنع ذلك من إعادته هنا لان القرآن ليس قانونا ولا كتابا فنيا فيذكر المسألة مرة واحدة يرجع إليها حافظها عند إرادة العمل بها وانما هو كتاب هداية ومثاني يتلى لأجل الاعتبار والاستبصار تارة في الصلاة وتارة في غير الصلاة ، وانما ترجى الهداية والعبرة بإيراد المعاني التي يراد ايداعها في النفوس في كل سياق يوجه النفوس إليها أو يعدّها ويهيؤها لقبولها ، وإنما يتم ذلك بتكرار المقاصد الأساسية من تلك المعاني ، ولا يمكن ان تتمكن دعوة عامة في النفوس الا بالتكرار ، ولذلك نرى أهل المذاهب الدينية والسياسية الذين عرفوا سنن الاجتماع وطبائع البشر وأخلاقهم يكررون مقاصدهم في خطبهم ومقالاتهم